السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

139

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

وهو الإقامة في المسجد على عبادة اللّه تعالى ، فإذا جلس يذكر اللّه تعالى في المسجد فهو معتكف ، ولا يصح خارج المسجد ، ولا يشترط له الصوم إلا أن الأفضل أن يكون صائما ، وليس له زمان محدود فيصح ولو دقيقة واحدة ، ويفسده الجماع ، ويكره فيه القبلة ونحوها ، ولا بأس في خروجه من المسجد لحاجته . روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان . ولعمري لقد كان السلف الصالح يعتكفون فيه جماعات ووحدانا فلا تجد مسجدا إلا وفيه المعتكفون عاكفين على ذكر اللّه ، ويا للأسف لا تجد الآن إلا ما ندر ممن بشار إليهم بالبنان ، وإن من لا خلاق له في الآخرة قد ينتقدونهم على ذلك ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه « تِلْكَ » الأحكام المبينة في الصوم والاعتكاف هي « حُدُودُ اللَّهِ » التي حذر قربانها ومنع من مخالفتها « فَلا تَقْرَبُوها » يا عباد اللّه ، وهذا مبالغة في النهي عن إتيانها ، لأنه إذا كان قربانها ممنوعا فكيف بفعلها حذار حذار عباد اللّه من ذلك . قال تعالى ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ ) الآية 14 من سورة النساء الآتية ، وهناك آيات أخر في هذا المعنى تحذر من قربان حدود اللّه والتعدي عليها فلا تعتدوها أيها الناس . واعلم أن التوفيق بين القربان والاعتداء هو أن الأحكام منها ما هو محظور ومنها ما هو مباح وأقربها لهذه الآية ( وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ ) ففيها تحريم الجماع في الاعتكاف مطلقا ، وفي الآية قبلها ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) النص على تحريم الأكل والشرب والجماع في النهار ، ولما كان الأقرب فيها جانب التحريم قال ( فَلا تَقْرَبُوها ) وإن من كان في طاعة اللّه فهو في حيز الحق فنهى أن يتعداه لئلا يقع في حيز الباطل فنهى عن أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يقع في الباطل فهو كقوله صلّى اللّه عليه وسلم في حديث الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور ، إلى أن قال : كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه . فنهى صلّى اللّه عليه وسلم في هذا الحديث عن قربان الأمور المشتبهة حذرا من أن يقع في الحرام وحدود اللّه تعالى محارمه ومناهيه ، فعليكم أيها الناس التباعد عنها لئلا تقعوا فيما ينهاكم عنه فتهلكوا « كَذلِكَ » مثل ما بين لكم تلك الأحكام « يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ » الدالة على معالم دينه وشعائر